محمد متولي الشعراوي

4479

تفسير الشعراوى

إذن فالغراب مهدىّ بغريزته إلى كل متطلباته ، ولذلك نجد من يقول : كيف نشبه الضال بالأنعام ؟ نقول : إن الضال يختلف عن الأنعام في أنه يملك الاختيار وقد رفع فوق الأنعام ، لكنه وضع نفسه موضع الأنعام حيث لم يستخدم العقل كي يختار به بين البدائل . وبذلك صار أضل من الأنعام ، وكلمة « أضل » تبين لنا أن الأنعام ليست ضالة ، لأنها محكومة بالغريزة لا اختيار لها في شئ . لكن الكفار الذين ذرأهم ربنا لجهنم من الجن والإنس ، لا يعرفون ربهم ، بينما الأنعام ، والجمادات والنباتات تعرف ربها لأن الحق يقول : وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ ( من الآية 44 سورة الإسراء ) إذن فالأنعام تعرف ربنا وتسبحه وتحمده . وفي آية أخرى يقول المولى تبارك وتعالى : كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ ( من الآية 41 سورة النور ) وعلى ذلك فكل الجماد - إذن - يعلم صلاته وتسبيحه . ولذلك قصصنا قصة من قصص العارفين بالله حين يجلسون مع بعضهم البعض كوسيلة تنشيط إلى غايات وأهداف سامية . والعارف بالله من هؤلاء الصالحين يستقبل الأحسن منه في العبادة بالضحك ، أما الأحسن منه في أمور الدنيا فيستقبله « بالتكشير » ، وقال واحد منهم لآخر : أتشتاق إلى ربك ؟ فرد عليه : لا . تساءل الآخر : كيف تقول ذلك ؟ . قال له : نعم . إنما يشتاق إلى غائب . أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ ( من الآية 179 سورة الأعراف )